السيد علي عاشور

33

موسوعة أهل البيت ( ع )

ضريحه ، فإنّ أبوا إلا أن يلحدوا ، فتأمرهم أن يجعلوا اللحد ذراعين وشبرا . فإنّ الله سيوسعه ما يشاء ، فإذا فعلوا ذلك فإنك ترى عند رأسي نداوة ، فتكلم بالكلام الذي أعلمك ، فإنه ينبع الماء حتى يمتلئ اللحد ، وترى فيه حيتانا صغارا ، ففت لها الخبز الذي أعطيك ، فإنها تلتقطه ، فإذا لم يبق منه شي خرجت منه حوتة كبيرة ، فالتقطت الحيتان الصغار حتى لا تبقي منها شيئا ، ثم تغيب . فإذا غابت فضع يدك على الماء ، ثم تكلم بالكلام الذي أعلمك ، فإنه ينضب الماء ولا يبقى منه ، ولا تفعل ذلك إلا بحضرة المأمون . ثم قال عليه السّلام : يا أبا الصلت ! غدا أدخل على هذا الفاجر ، فإنّ أنا خرجت وأنا مكشوف الرأس فتكلم ! أكلمك ، وإن أنا خرجت وأنا مغطى الرأس فلا تكلمني . قال أبو الصلت : فلما أصبحنا من الغد ، لبس ثيابه وجلس في محرابه ينتظر ، فبينما هو كذلك إذ دخل عليه غلام المأمون ، فقال له : أجب أمير المؤمنين ، فلبس نعله ورداءه ، وقام يمشي وأنا أتبعه حتى دخل المأمون ، وبين يديه طبق عليه عنب ، وأطباق فاكهة ، وبيده عنقود عنب قد أكل بعضه وبقي بعضه . فلما أبصر بالرضا عليه السّلام وثب إليه ، فعانقه وقبّل ما بين عينيه ، وأجلسه معه ، ثم ناوله العنقود ، وقال : يا ابن رسول الله ! ما رأيت عنبا أحسن من هذا ! فقال له الرضا عليه السّلام : ربما كان عنبا حسنا يكون من الجنّة . فقال له : كل منه . فقال له الرضا عليه السّلام : تعفيني منه . فقال : لا بدّ من ذلك ، وما يمنعك منه لعلك تتهمنا بشيء . فتناول العنقود فأكل منه ، ثم ناوله ، فأكل منه الرضا عليه السّلام ثلاث حبات ، ثم رمى به وقام ، فقال المأمون : إلى أين ؟ فقال : إلى حيث وجّهتني . فخرج عليه السّلام مغطى الرأس ، فلم أكلمه حتى دخل الدار ، فأمر أن يغلق الباب ، فغلق ثم نام عليه السّلام على فراشه ، ومكثت واقفا في صحن الدار مهموما محزونا . فبينما أنا كذلك ، إذ دخل علي شاب حسن الوجه ، قطط « 1 » الشعر ، أشبه النّاس بالرّضا عليه السّلام ، فبادرت إليه . فقلت له : من أين دخلت ، والباب مغلق ؟ ! فقال : الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار والباب مغلق . فقلت له : ومن أنت ؟ فقال لي : أنا حجّة الله عليك ، يا أبا الصلت ! أنا محمد بن علي ، ثم مضى نحو أبيه عليهما السّلام ، فدخل وأمرني بالدخول معه ، فلما نظر إليه الرضا عليه السّلام وثب إليه ، فعانقه وضمّه إلى صدره ، وقبّل ما بين عينيه ، ثم سحبه سحبا إلى فراشه وأكبّ عليه محمد بن علي عليه السّلام يقبّله ويسّاره بشيء لم أفهمه .

--> ( 1 ) قطط : الشديد الجعودة ، وقيل الحسن الجعودة ، الجعد خلاف السبط ، والسبط الذي ليس بمجتمع . لسان العرب : 7 / 380 وج 3 / 121 و 122 ، مادة : قطط وجعد .